محمد بن جرير الطبري
34
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الشريف في جاهليته ، رجاء أن يسلم ، وكان عن هذا يتلهى وقوله : وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وما يدريك يا محمد ، لعل هذا الأعمى الذي عبست في وجهه يزكى : يقول : يتطهر من ذنوبه . وكان ابن زيد يقول في ذلك ما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : لَعَلَّهُ يَزَّكَّى : يسلم . قوله : أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى يقول : أو يتذكر فتنفعه الذكرى : يعني يعتبر فينفعه الاعتبار والاتعاظ ، والقراءة على رفع : " فتنفعه " عطفا به على قوله : يَذَّكَّرُ ، وقد روي عن عاصم النصب فيه والرفع ، والنصب على أن تجعله جوابا بالفاء للعل ، كما قال الشاعر : عل صروف الدهر أو دولاتها * يدلننا اللمة من لماتها فتستريح النفس من زفراتها * وتنقع الغلة من غلاتها " وتنقع " يروى بالرفع والنصب . القول في تأويل قوله تعالى : أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى بماله . فأنت له تتعرض ، رجاء أن يسلم . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى قال : نزلت في العباس . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى قال : عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة . عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى يقول : وأي شيء عليك إن لايتطهر من كفره فيسلم ؟ يقول : وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى وَهُوَ يَخْشى يقول وأما هذا الأعمى الذي جاءك سعيا . وهو يخشى الله ويتقيه . فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى يقول : فأنت عنه تعرض ، وتشاغل عنه بغيره وتغافل . القول في تأويل قوله تعالى : كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ . . . قُتِلَ الْإِنْسانُ يقول تعالى ذكره : كَلَّا ما الأمر كما تفعل يا محمد ، من أن تعبس في وجه من جاءك يسعى وهو يخشى ، وتتصدى لمن استغنى إِنَّها تَذْكِرَةٌ يقول : إن هذه العظة وهذه السورة تَذْكِرَةٌ يقول : عظة وعبرة . فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ يقول : فمن شاء من عباد الله ذكره ، يقول : ذكر تنزيل الله ووحيه ، والهاء في قوله " إنها " للسورة ، وفي قوله " ذكره " للتنزيل والوحي . فِي صُحُفٍ يقول إنها تذكرة فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ يعني في اللوح المحفوظ ، وهو المرفوع المطهر عند الله . وقوله : بِأَيْدِي سَفَرَةٍ يقول : الصحف المكرمة بأيدي سفرة ، جمع سافر . واختلف أهل التأويل فيهم ما هم ؟ فقال بعضهم : هم كتبة . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، في قوله : بِأَيْدِي سَفَرَةٍ يقول : كتبة . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله : بِأَيْدِي سَفَرَةٍ قال : الكتبة . وقال آخرون : هم القراء . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ قال : هم القراء . وقال آخرون : هم الملائكة . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرامٍ بَرَرَةٍ